الرئيسية / ذاكرة الجسد والهوية / ناجح المعموري

ذاكرة الجسد والهوية / ناجح المعموري

ان الجسد اياً كان المستوى الذي يوجد فيه غير منفصل عن العقل ، وان الذاكرة والهوية غير منفصلين عنها ايضا . ان هذا الوضع يبرهن لوحده مفهوم السيكولوجية . فاذا كان من الضروري على عالم النفس المختص ان يأخذ بعين الاعتبار معنى الحركة فقد يستحيل عليه ان يتغاضى عن ذاكرة الجسد التي سجلت فيها تلك الحركة بالإضافة الى هوية التي هي انعكاس لتلك الذاكرة وبنيتها " دليلها " / كاستيت . ب: ذاكرة الجسد والهوية / ت: حميد السلاسي / علامات ي31 .

ليست الهوية مدونة في العقل فقط ، ولكنها مطبوعة ايضا في الجسد ، انها تظهر في الاشارة ، وفي وضع الجسد ، وفي المظاهر الايمائية ، وهذه جميعها تعمل على قلبه الجسد والطلعة ، ويجعل من كل فرد كائناً متميزاً ، اننا نعرف ان لكل فرد طريقته الخاصة به من المشي او في الجري بل نمطه الخاص فيه / ن . م / ص32  .

وما قالته حنة آرنت : لم تكن وليمة المحبة لدى اغسطين الدلالة المركزية التي كانت لدى بولس باعتبارها امكانية الكمال ، بالفعل في هذا العالم . ففي المتعة ، وفي الطمأنينة ان تكون قريباً من ، يتوقف الحب ومجد انجازه ، واي حب هو توتر نحو هذا الانجاز والانجاز هو النعيم الذي لا يتمثل في الحبّ ولكن في الاستمتاع مما نحبّ ونرغب . وكل حبّ وحتى اولئك الذين يحيون فعلاً مالا يستوجب ، حبّه لا يعتقدون في الحصول ، على سعادة لحبهم ولكن لمتعتهم . فالاستمتاع ، هو ان تكون قرب الشيء المرغوب فيه ، ومتيقناً ودون قلق . وفي هذا القرب ، يصل البحث الى هدفه ، فلا يتناول اكثر مما سبق بل يستقر فيه . ويكون الشيء المرغوب فيه في حدّ ذاته عندما بالقرب منها ينحسر البحث ويتمثل الاستمتاع فعلاً في التعلق بمحبة شيء لهذا الشيء بالذات / حنة آرنت / الحب عند اوغسطين / ت : د. نادرة السنوسي / دار النديم / دار الروافد / 2021/ ص56  .

لذائذ نابضة بحركتها .

يطرح اوغسطين سؤالاً : كيف يمكن تذكر السعادة ؟ فيجيب بهذا : هل كانت هذه الذكرى مثل ذكرى البهجة ؟ ربما ، اذ اتذكر في حزني صوري ، كذلك في بؤسي ، افكر في السعادة ولكن لم يكن هذا الحبور بالنسبة الى المعالم بالرؤية ، ولا بالسمع ..... ففي روحي قمت بتجربة عند فرجت ، وظل مفهومه يزعم بانه لم يعرف اطلاقاً الفرح ، نجده في الذاكرة ونعرفه عند السماع ينطق كلمة السعادة / حنة آرنت / ن . م / ص72  .

الشهوة العادية . لا وجود لتصنيفات للشهوات ، الرغبة هي الموجودة ، وحضورها نداء الجسم للأخر الجسد ، تبادل الانشاد وتحقق الاتصال . الرغبة لا تتعطل ، بل تهدأ في احيان عديدة ما يقصده كامل بعنوان النص هو الاستدعاء ، والحضور ، لان جسد الانثى فاعل ومتحرك واستجابته عاجلة . لان الموجود المؤنث عجل للغاية ، لا يتأخر ولا يود ذلك . بل هو حماسي ، لا يكتفي ببلل السواد المظلم ، بلل يرش المكان كله متدفقاً .

الواقعي يحتفظ في ادارة دفة الجسد ، باعتباره اصلاً ما ، اي ما يبقى كلاً من هذا الرمزي والخيالي والواقعي . كما قال لاكان ، عرضة للمجابهة والتغيير ، اذ الانا الاعلى كممثل للرمزي ، لا يمكنه من متعة تمثيل الرمزي الخاص به / ابراهيم محمود / ن . م / ص94  .

القضيب معلن للنداء ، ومشهر دعوته ، لأنه يتكلم ، له علامات ندائية ، حركة محفزة لجسد الانثى لحظة التقاط العلامات وتكررها ، والقضيب يمتلك فرص ادارة دفة الجسد  . باعتباره اصلاً ما ، اي ما يبقى كلاً من هذا الرمزي والخيالي والواقعي ، عرضة للمجابهة والتغير / وعلى الرغم من ان لاكان وحدّ بين الثلاثي لكنه منح لكل واحد منهم وظيفته وحضوره الذي يكون ضرورة وموضوعية جداً . القضيب لا يختفي لحظة الاحساس بالرغبة ، منذ ابتداء الدقة الاولى والرجل هو الاقوى بحضوره ، عندما يدخل غرفته ويرى العلامات الموجودة والموزعة والتي تومئ للجسد الغائب صحيح العلامات المعبرة عن الفحل لها حضورها مثلما للأنثى ، لكنها الثنائي الجسد هو وحده الذي يشعر بالمجاعة . الانثى تحتاج القضيب وتجوع له . بينما المذكر لا يصرح عن شهواته العادية . الغرفة اشارة للثنائي ، والسرير اكثر ترميزاً 

تقدم الانثى اشارات للأخر ، الذي هي بحاجة له . 

لقد قلت عدة مرات تعلموا من الحب ، ولكن ما كنت اعنيه في الواقع هو تعلم من ازالة العوائق امام الحب ، انها عملية سلبية تشبه حفر البئر حيث تتابع ازالة الكثير من طبقات التراب والحصى والصخور .... ان ذكاء الانسان يتهادى من دون وجود الحب .... وعندما يكون الناس في حالة الحب يكون اداؤهم فيه افضل حالاته ..... اعظم الناس ذكائهم اكثر الناس جنسوية . يجب ان نفهم هذا الامر لان طاقة الحب هي الذكاء اساساً .... ينتقل اوشو للأساس البيولوجية  لــ " الذكاء الانفعالي " وهو " الجنس " فيقول هناك تضارب ما بين " الجنس " و " الانا " لان الجنس شيء موجود في حياتك في كل مكان لا يمكنك ان تكون فيه مغرورة وبحيث يصبح الاخر اكثر اهمية منك . يصبح امرأتك او رجلك اكثر اهمية منك . تصبح انت النواة ويصبح هو تابعاً . نوع من الاستسلام المتبادل كلاكما تستلمان للحب . ويصبح كلاكما متواصفاً / اوشو / انفعالات / تحرر من الغضب ، الغيرة / الجسد ، الخوف / ت : نبيل سلامة / دار التكوين / دمشق / 2016/ص20  .

يتمظهر الحب من خلال الجنس هذا جذر فلسفة اوشو منذ سنوات قديمة جسد الانثى سبب الانفعال والقلق ، الجوع له مربك للكائن ومحفز للإعلان عن ذلك ، بواسطة العلامات او الاشارات وفي احيان اخرى بالهمس وبالفعل الرمزي ، القبلة الصامتة مثلاً  .

الرغبة ليست على الاطلاق منفصلة عن الكل ، وفضفاضة ، فهي ليست مستقلة الا ظاهرياً عندما خلقت علاقة مع شيء ما ، وهي في الواقع تابعة لعلاقة مسبقة ، منسية بالضرورة على الدوام بتوقها نحو المستقبل . وطبقاً لهذه الامكانية الجديدة والاصلية  للوصول الى المنبع الذي تأتي منه الحياة السعيدة ، لا يبحث الانسان ابدأ عن الخير العرم في الرغبة ولكن في بحثه عن الحياة السعيدة . ان تبحث الروح المذنبة عن ان تكون سعيدة ، فالروح النقية تبحث بدورها ، من اين يمكن لها الحصول على سعادتها / حنة آرنت / ن . م / ص75  .

لقاء الفحل مع الانثى ، نوع من الصيد ، والفوز بابتكار السعادة والحبور والغور في عمق الجسد الانثوي . وحيازة الجسد الانثوي التقاط الذات ومثلما قال القديس اوغسطين امتلاك الله .

ربما يعبر نص كامل عن الشهوة العادية نوع من التخيّل ، او يجسد اتصالاً فعلياً وادخالاً بالأنثى والنزل للعالم الاسود حتى يفيض بالرغبات واشتعال اللذائذ بالسيولة .

وللتوظيف الثقافي للناقد ابراهيم محمود حول الثنائية التي تنشأ بين مذكر ومؤنث ، وهما يدلان على علامتين ميتافيزيقيتين ، بمثابة الخطر الاحمر المحظر اللا منه ، من ناحية التفاوت بينهما ، رغم كل ما يقال ان القضيب دال عن النقص وليس بالمعنى الجنسي . اذا لماذا لا يكون الدال الفرجي الانثوي هو المعتمد ؟ وهو الاكثر تفعيلاً في واعيه الناطق وحتى لا وعية ؟ لماذا يدفع المرأة الى دائرة الاخصاء ، باعتبارها منزوعة القضيب هو ما ينفي الخصائص " النقص " وما يشغل الفراغ ضمن ثقافتنا . 

ما قاله الاستاذ ابراهيم محمود يثير ملاحظة ليست جديدة ، بل قديمة ، تحدث عنها فرويد وركز مراراً عن خسارة الانثى لقضيبها وفوز الرجل لقضيبه وتباهيه متميزاً عليها ، لانه مكتمل الجسم وهي ناقصة . وظل اساس الانثى بالخسران حاضراً وقوياً او الرجل يكرر قوته الممنوحة له عبر الذكورة / الفالوس وعلى الرغم من ان الرجل له ما يدل عليه ، وهو الفالوس ، والانثى بها ما يدل عليها فقدان القضيب ، وخسارتها له ، وظلت تاريخاً طويلاً تعيش احساساً قاسياً بالخسارة بالفقدان . والسؤال الجريء والقوي ، لماذا لم يشعر الفحل بخسارته للدال الانثوي ، او فقدانه للجنس ، بمعنى خسر الرجل الدال الفرجي المعتمد . وظلت الانثى ملاحقة ومطاردة نحو دائرة الاخصاء ، لأنها منزوعة الفالوس في السائد ضمن ثقافتنا .

ولم يكتف ابراهيم محمود بتوظيف التحليل النفسي حول الحيازة والنقصان ، بوصفه جزء جوهرياً من الصراع التحليلي ، وايضا الجدل النفساني . وظلت الانثى معاينة العذاب والاندحار بسبب ما واجهته من نقص . وافاد ابراهيم محمود مستكملاً وجهة النظر الجوهرية حول توظيف الجنسين اللذين سينظمان علاقات الحب والكراهية بينهما تنظيماً عفوياً حول الخيار المتحلي في امتلاك القضيب او عدم امتلاكه .../ ن . م / ص95  .

عمق كامل الموقف الثقافي واستعان بالفلسفة بشكل بارز ، لانه كرس اعلان الاشتهاء وضرورات مزاولة ما يحتاجه بوصفه وظيفة واقعية تبادليه ، هي من حاجات المذكر والمؤنث ، وكل منهما يذهب بحماس نحو الاخر ، للتبادل والثنائية التي لا تضعف المذكر ولا تأخذ الانثى نحو نقصها بفقدان الفالوس . التي اعلنه المذكر علامة تمايز وتباه يستجيب ويوظف به اللذاذات  ، والشهوات لكليهما ، المذكر والانثى . ولابد من اشارة الى ان الفالوس في منطقة ضوء ولديه قدرة لاختراق الفرج . 

ويمتلئ به الفرج ، اي يرضى بنزوله للقيام بالوظيفة المتباهي بها ، وهو يغرق في عمق السواد المزود له بالشهوة ، والمانح لها بكل ما حاز عليه جسد الانثى من شهوات ، حتى تتحول الى مجموعة طاقات لذية وتعلن بانها اكثر تبايناً وتميزاً عن المذكر ، لانها تعيش جماليات عالية وفذة ، حتى يتبادل معها المذكر الاتصال اللذي وهي الاكثر احساساً منه باصطياد اللذة الهاربة منها والتي لا تستطيع استكمالها أبداً ، ناقصة لذتها ، ولها مواقد لذاذات ، تشتهي الاخر الاقتحامي ، ويعطيها الحلم ، الامنية وتكرر في كل لحظة وحفظت الخاصة الميثولوجيا واحدى الاساطير بالحلم / الامنية . وتظل المكونات اللافتة ، وهي تتقدم رغبات الذكورة يبرز الجسد الانثوي عامراً شهياً ، مثلما انه يكون ناشطاً ، مشوهاً كدماتيا ، لحظة التدقيق في بنيته ، لأنه يتعرض للتحوير المختلف ، كما انه يظل في امس الحاجة الى التعديل والترميم ولتفخيم ، وفق مستجدات معتبرة ترعاها تلك الثقافة التي تمثلها الذكورة دون نسيان هامش اعتباري ، كما هو وضع ذر الرماد في العيون / ابراهيم محمود / ن . م / ص97  .

قاد المذكر سرديات كثيرة عن بطولته وعربدات قضيبه ، حتى جعل نفسه بطلاً ، هرعت وراءه الانثى على الرغم من زنوجته . لكن ما يجعله ممتلكاً حضوره الفحولي هو طاقته ونجاحه بالعربدة ، حتى تفقد المرأة هدوءها وتدخل فضاء الهلوسة والانين والنهش ، من كل الاماكن المتعرقة التي تصلها عضاً ، وخرمشة ، كل ما تفعله يصعد مواقد لذاذات جسدها والفحل يدوس نازلاً في منطقة الظلمة التي تفوح رائحة حرارتها . وفي تلك اللحظات ، تكتشف الانثى ما هو غير معروف من قبل .... تعيد اكتشاف جسد المذكر . وفي هذه اللحظة ، يفوز كل منهما بالتقاط سخونة الاخر . وتعرف كل منهما على الاخر نجاح وتجدد اللذاذات في الانارة ، والاقوى في الظلمة ، هي غرابات السرديات الضاجة بها الحكايات . 

نقل الاستاذ فراس السواح( ) عن اوفيد اسطورة عن تبديات الحكمة وعلاقة الليل وعالم الظلام في اسطورة " تيريسياس " حكيم الاغريق المشهور الذي لم تحب له نبوءة قط . والذي تنبأ الملك بمصيره الفاجع في الاسطورة التراجيديا المعروفة . كان " تيريسياس " يتجول في الغابة عندما رأى حيتين تتجامعان فضربهما بعصا عند ذلك تحول  " تيريسياس " بتأثير سحر غامض الى امرأة ، وعاش في حالته الانثوية سبع سنوات ، وفي السنة الثامنة كان يتحول في نفس الغابة عندما رأى نفس الحيتين تتجامعان فضربهما مرة ثانية لعل السحر يزول عنه . وكان كذلك ، اذ عاد " تيريسياس " الى حالته الذكرية . وكان بعد مدة ، ان وقع جدال بين كبير الالهة زيوس وزوجته هيرا ، فاستدعي زيوس " تيريسياس " للفصل في هذه المسألة الخاصة حول موضوع المتعة الجنسية ، واي الجنسين اكثر استمتاعاً بالجماع من الاخر . لانه عاش الحياة الجنسية بشكليها الذكوري والانثوي بالعملية الجنسية . وهنا ثار غضب هيرا وضربت " تيريسياس "بالعمى ولكن زيوس تعريضاً له عما فقد من بصر ، وهبة الحكمة وقدرة على النبوءة ومعرفة الغيب . لقد كف بصر " تيريسياس " عن نور الشمس ولكن بصيرته الداخلية فتحت على حكمة الظلام ، اذ لا حكمة دون الانكفاء على عالم الام القمرية المعتم . الازيوس الذي وهب " تيريسياس "الحكمة ، لم يكن هو نفسه يملك حكمة اصلية فحكمته كانت مكتسبة من احد الاشكال العشتارية السابقة على التاريخ الاغريقي المكتوب .

بالإمكان التعرف على الطاقة الشهوية العظيمة للمرأة من خلال رموزها الدالة عليها . لان الالهة المؤنثة اختارت الرموز الدالة على القضيبية / الفالوس . والبعض الاخر حازت عليها لان فيها من صفات المرأة الجنسية . وكثيراً ما اقترنت الالهة المؤنثة ، ولنقل الام الكبرى التي بيدها اتخاذ المرموزات وامتلاكها ، ودائماً ما تكون الرموز ، ذات صفة حيوانية ، ولها معنى عميق جداً وتشترك الالهة معها بخصائص مشتركة وتلتقي معها بمجالات / وظائف معينة وذات تشارك مع النفس الانسانية والفضاء الكوني الواسع جداً ، ومن هذه الرموز ، الافعى ، والسمكة ، والحمامة .

الافعى احدى الرموز النابضة بالحياة وتجوهراتها المعبرة عن سيرورة التحول وصورة الافعى قضيبية وارادات رمزيتها ، كي تتعايش معها وتوظفة لحظة ما تريده الالهة الراغبة . ومن الصفات المشتركة بين الام والافعى ، تجددها فهي تنزع جلدها وتقاوم الموت وكثيرة التوالد . والسمكة ايضا فالوس زلق ولا تريد الالهة مغادرة ظلمتها للابد ، اما الحمامة فضفتها من صفات المرأة الراعشة ، المرفرفة ، المحلقة في اللحظة التي تشاء ، وتنزل اذا ارادت ذلك .

ومعروف بأن الام الكبرى عاشت فترة طويلة ، كرست من خلالها الثقافة والطقوس والعقائد والفنون واقترنت اشياء كثيرة مع حاجات المرأة ، ومعلوم بأن ضروراتها لها علاقة بالجنس ومجالات المفعلة له ومحفزة ايضا كالعطور ، الخمور ، الزينة ، البخور ، لذا اقترنت العوامل المنشطة بالأم الكبرى ، ووظائف الالهة ذات الخصائص اللذية وهذا ما عبرت عنه الالهة عشتار وافروديت و....الخ شهدت الحضارة البدئية في العراق القديم جدلاً وصراعاً عنيفاً ، تمظهرت عنه اسطورة الخلق والتكوين وتبدياتها تمظهرت عن تحولات ثقافية ودينية . 

رمزية الافعى طاقتها متحركة ، وتذهب اليها الام ، والالهة الراغبة لذا عرفتها كل الديانات وتمركزت بحضور رمزي ، وظل متحركاً ومقاوماً للجدل الحاصل في العناصر الثقافية والدينية . لكن الحضارة السومرية البدئية عرفت جدلاً وصراعاً قوياً ، لان وجود قوتين المذكر / الانثى / الام / لن يعيش بأمن وسلام ، بل تنشأ تباينات بينهما وابرز النصوص التي عاشت هذا الصراع / والجدل ، هي اسطورة الخلق والتكوين / والذي انتهى بمقتل تيامات وصعود الاله الشاب مردوخ بعد انتصاره عليها . والنص الاخر الابرز هو ملحمة جلجامش وانتصار الثقافة البطرياركية على ديانة الام الكبرى ، وتحقق الحضور الثقافي للفحولة . ولان العقل الفحولي / الذكوري يدرك جيداً بأن رموز الام الكبرى لها عمق كبير وحضور تداولي عمرة الالاف السنوات ، لم يستطع مقاومة رموز الام او تجاهلها ، بل حاز عليها واعلن بانها من الرموز المعبرة عنه وتحولت الافعى علاقة قضيبية للرجل . وجعل كل رمز ممتد ، مثل العصا / الرمح ذكورياً ، واختارت الام / الانثى كل ما هو متعر دالاً عنها ومكتفية به .( )

اعتقد الانسان القديم بأن الحية خالدة لا تموت ، وان تبديلها لجلدها القديم بجلد اخر . هو تجديد لحياتها ، كما نال منها الهرم . وربط بينها وبين القمر الذي يجدد حياته في دورته الشهرية دائماً ، فيسلخ جلده القديم في طوره المتناقض ويلبس جلداً جديداً ، في طوره المتزايد فكانت الحية رمزاً للإلهة القمرية فهذا لأزمنة السحيقة . ومن هنا جاء اسم الحية مشقاً من اسم الحياة . وفي ذلك تعبير رمزي على صلتها بالحية ، وتجديدها الدوري لجلدها القمري ....

تبدو عشتار في كل الثقافات مصحوبة بالأفعى في كثير من الاعمال التشكيلية التي تصورها . وعشتار البابلية تلبس على رأسها تاجاً على هيئة افعى ذات رأسين 

ان عبادة الثعبان ، بجانب القضيب ، هي احدى اكثر اشكال الدين بروزاً ، وفي نفس الوقت ، هي الدين الاوسع انتشاراً واستمراً الذي عرفه العالم في اي وقت مضى . لا توجد بلاد في العالم القديم في نصف الكرة الارضية الغربي ولا الشرقي ، لا يمكن تتبعه فيها وينتشر فيها كل نظام ديني لاهوتي معروف ، الا وان يترك براهين وفيرة لوجوده ومدى انتشاره ، على شكل انصاب ومعابد ومتاريس ، وكذلك في التصاميم والنقوش لا يوجد رمز اخر استثمر بمثل هذا التنوع في المعاني . والاستعمالات كما فعل مع الثعبان . انه يمثل الحكمة ، والقوة والخلود ، الخير ، الشر ، الحياة ، واعادة الانتاج ، وصفات اخرى مختلفة للجوهر الخالق . فقد دخل في اساطير كل الامم ، مصر ، سوريا ، اليونان ، الهند ، الصين ، اسكندنافيا ، امريكا ، وباختصار لا يوجد مكان على الكرة الارضية لم يعرفه كرس تقريباً لكل معبد ، ومثل تقريباً كل اله ، تخيل في السماوان ختم على الارض ، وحكم في عوالم الحزن الابدي .

كان الثعبان رمز قضيبي لا شك ، لان عبادته عاصرت عبادة القضيب وشكل جزءاً من دين كل امة تعبد الجنس ، وفي الوقت الذي ارتبطت به العديد من المعاني المختلفة ، كان جميعها يشير الى الجوهر الخالق او المنتج للطبيعة ، وقابل للتحول بسهولة للعبادة الاساسية للولادة / كليفورد هوارد/ عبادة الجنس / شرح لأصل اديان عبادة القضيب / ت : حكيم ميلادي / العراق / البصرة / شارع الفراهيدي / 2016/ص98  .

لم يكن صعباً معرفة المعنى المجازي عندما يتم الحديث عن الاغراء وسقوط آدم وحواء . فقد كان ذنبهما هو علمهما بالمنع الجسدية ، فلم يقاوموا رغباتهما الجنسية المتزايدة ، بل سمحا لنفسيهما تناول الفاكهة المحرمة / ن . م / ص98  .

توحي الافعى / الحية للطاقة الكامنة فيها ولذا استعارتها الانثى رمزاً لها لأسباب عديدة اهمها ان الكائن العراقي زمن سومر قدس الدافع الجنسي واعتبره قبساً الهياً ، يربطه بالمستوى النوراني الاسمى ، ففي الفعل الجنسي ، يتجاوز الانسان شرطه الزماني والمكاني ليدخل في حال هو اقرب ما يكون الان الابدي ، فينطلق من ذاته المعزولة ليتحد مصدرها الذي شعت وفي اجساد الاحياء اودعت . لم يكن الفعل الجنسي اللامتناهي عبادة يكرر فيها الفرد على المستوى الاصغر ............

تظهر الاعمال الفنية التشكيلية منذ العصور الحجرية قدسية الدافع الجنسي والقيمة الدينية للممارسة الجنسية . فمن العصر النطوفي الذي يعتبر مقدمة للعصر الحجري الحديث في سوريا الجنوبية ، ووصلتنا تماثيل صغيرة تعود للألف التاسع قبل الميلاد ، تمثل ازدواجاً متعانقة في اوضاع جنسية وفي هذه التماثيل تعبير عن قيم جنسية دينية مرتبطة بمعتقدات ذلك العصر .

لا يمكن تجاهل العلاقة بين الرغبة والجسد ، والصلة التي تحصل سرية حتى تصل الى شكل من الاشتهاء الذي دائماً ما ينشأ في بلدان أوربا ودائماً ما تكون الرسالة لينة ، وهادئة ، يعتمدها الشاب بمظاهرة الخارجية ، وخصوصاً الازياء ، سكائره وآلية التدخين والقاء التحية وطلب السماح باختيار المكان محواراً . تبدأ شفرات سريعة وتتعمق اجابات الشاب المرهف ، والجميل الذي يفتح منفذاً للرغبة المسحوقة . 

نحن المرهفين قد تخلو المقاعد منا يوماً 

من يشغل هذه المقاعد ؟

مقاعدنا ! 

من سيشغلنا ؟

النص حساس يقول ويصمت ، يومئ ولا يسرب سراً . للمكان حضور طليق ، فيه نوع من المودة والمحبة ، ولا يمكن تجاهل رقة الجسد لاسيما وان المرهفين قد تتركهم المقاعد في يوم ما . وربما تطردهم . ويصعد السؤال معروفاً جوابه ، لان المرهفين لهم حضور وقوة اجتذاب والعلامات التي تومئ لهم متبسمة ، جاذبة ، ضاحكة . واللقاء سهل ويسير . ولكن الراوي الذي هو احد المرهفين يسأل ثانية :

من يشغل هذه المقاعد ؟

مقاعدنا ؟

من سيشغلنا ؟

الجواب مرتجف بصراحته ، لان الاماكن معروفة وغير مجهولة . وعندما قال الراوي : من يشغل هذه المقاعد ؟ اسمع الذي سيكون حاضراً في المكان ويلتقط مقعداً له . وانا اشك بوجود عديد من المقاعد الفارغة . لان المرهفين يتسع لهم المكان والرسالة المبثوثة مستلمة ، والاستجابة واضحة ، وصريحة جداً .

ولان كامل ذكي وهو يكتب نصوصه الشعرية ، التداخل والتشابك الذي يمنح نوعاً من الشكوك او قل شكلاً من الطرد لكن نص الشاعر يلتقط الشفرة الحادة والحاسمة واطلق مفردته الاخيرة التي انطوت على الاعلان ، بمعنى الدعوة ، والانشاد مقبول ، المرهف يصرح بوضوح .

من سيشغلنا ؟

والالتقاط عاجل ، لأنه استمع للدعوة الموجه له ،

لان المرهف سيأخذه يلتقط اطراف اصابعه المبللة ويتحركان نحو مكان ، ذهبا اليه من قبل . والتبادل الجسدي بين وواضح ، والعلاقة بين المرهفين عشقية وحاول كامل شياع كل ما استطاع عليه من اجل التكتم على ما اراد البوح به ، على الرغم من ان المثلية تتمتع بحضور قوي والتبادل بين المماثل حرية ممنوحة للاثنين والمرهفين يعرفون لحظة الطرد والشتات مع وجود حماية لكن المشكلة المتكررة هي خلو المقاعد من الشبيه . ولكن مما هو الذي يشغل المقاعد . والمعني بها ، مقاعد المرهفين .

والغائب هو المنتظر الذي هو الحلم / الامنية التي يريدها من يود الاشتغال عليه . نص الخوف المكرس عن المرهفين هو احتفالية ، فيه تكرر ، ومعاودة والرغبة بالاتصال مرة اخرى ، بحيث يتبدى المكان وفراغ الكراسي ، والزحمة هي احتفالية ربيعية لدى العديد من الشعوب التي استعادت ربيعة باخوس وديونسيسوس اله الحياة ، كان يدعى ان الالهة والرجال " منحب من الحب " ولدته عذراء خلال حب نظيف " وكثيراً ما مثله الرومان تحت اسم وشكل بريالوس .

المرهف المذكر ، المشتهى والحالم ، بما سهل وممكن يتوق له دوماً ، باعتباره رغبته الممنوحة له ، من الاخر اشتهاء . والمرهف هو الذي قدم درساً للأخر ، لتوسيع العلاقة مع الجسد ، ليس المرأة فقط وانما المثيل واعتياده ، على ابتكار الجسد ، وممنوحات المرهفة .

تعلم المذكر من المرهف ، ان يطوع جسد الانثى كله . فهي ممتلئة كلها بالحنين للقضيب الذي تعيش معه ، والارتعاش . هو تعرف للقضيب . الانثى مبتكرة كل جزء مرهف ، يريد التحسس والتلمس ، لحظة ما تطخها كدمة القضيب.

واكتشفت الانثى شيئاً فشياً جسدها الغاضب بالاشتهاء وحالمة بالذوبان به ومعه ، وهي ابتكرت بامتلاء المهيجات ، والمحفزات ، فكل مكان في جسدها مفتوح للإدخال ، وتوليد الرعشات والقذف ، ويبدو وجود ممكنات التبادل مع المرهف ، الذي يتخذ ما يماثل المذكر . الذي اكتشفته الانثى عبر التجريب والتداول . انت الذي ترفقت بي وضعي ماشي رغم الارتجافات التي قد يستثيرها البرد ووحشة المنفى الذاتية للجسد الانثوي تأثير كبير على اللغة وله فيها مفردات غفيرة خاصة بها ولعبت دوراً جوهرياً ، وكان تأثيرها على الجسد نفساني ودائماً ما تظهر حاضرة بدور سري لا يعلن صراحة ، بل يتكتم عليه ، لكن مدارس التحليل النفسي كشفت معجم اللغة الخاص بالانثى .

وعودة سريعة الى نص كامل شياع " خوف " اللغة التي افضت بي للاقتراب من " نحن المرهفين " وايضا ما تضمنه النص بنهاياته : 

  من يشغل هذه المقاعد ؟

مقاعدنا ؟

من سيشغلنا ؟

وقادتني اللغة بهدوء وصعوبة ، وتسللت للعلاقة الكامنة بين صديقين ، ارتبطا برغبة دفينة وتراجف المقطع باثارة واضحة اضاءت الرغبة " من سيشغلنا ؟ " ولاعب المرهفون وباستثناء اعمارهم بفاعلية لتأسيس معجم خاص للجسد الذكوري ، الذي توصل معلنا عن اعلان كشف وعرض لمن هو راغب من خلال اللغة ، اي ان ما تحقق باللغة تعبير عن تحولات اجتماعية كبيرة في الحياة ، وكان انعكاسها في اللغة ، متبدياً فيما هو ثقافي وديني واستمرار التواجد المتشابك بينهما . لان مثل هذه العلاقة تزداد بالانغمار .

نضف احدى الخطاطات التقليدية للرغبة باعتبارها لحظة ومسافة بين حدين ، فالحاجة معرفة بطبيعتها الشاقة قد تكون سبباً او اصلاً في الرغبة ، والاشباع محدداً بالتلذذ قد يكون هدفاً للرغبة ونهاية لها واذا كانت اللذة الغاية العليا ، كما يؤكد على ذلك الثقافة الاخلاقية المتعية التي تسمى ايضا بأخلاق اللذة .

الجسد الذكوري مانح للطرفين المتصل والمعطى . واشارت بعض الدراسات المكرسة عن الجسد ، يوجد تلاش للرغبة وتسحق في الكائن  البشري معتبراً كأداة او أواليه للبقاء روجي دادون / الرغبة والجسد / ت : محمد سليم / مجلة علامات /ي4  .

المحو والاختزال ، للذة غالباً ما يتم تقديمه باعتباره نتيجة لمقتضبات علمية : يزعم انه لا يتم الاعتماد الا على ما هو قابل موضوعياً للملاحظة . اي على مواقع العضوية ومظاهر السلوك الخارجية في مثل هذا الشوط لا يجري الحرص على ازدحام واقع داخلي مستحيل التحديد ، ذي كثافة عاطفية بلونها المتخيل بقوة كثافة جد هاربة وجد محيرة منذ فجر المسيحية . ف ( اعمال اللحم ) اعمال محرمة بعنف " انها فسق ونجاسة وفجور وكفر وسحر واحقاد وخصومات وحسد وهيجان وشجارات وفتن وانشقاقات وميولات وتهتكات وقصوف وما شاكل ذلك والنداء موجه لأماته اللحم ، اقتلوا اعضاءكم الارضية ، الزنا والنجاسة والعاطفة والرغبات السيئة وكذا الجشع الذي يعد كفراً . اللهم لا تسد الخطيئة في الجسد الفاني . فستجعلكم تطيعون شهواته . كفوا عن عرض اطرافكم كأسلحة ظلم للخطيئة . ويعلن بولس فليمت فينا الانسان القديم الذي يستعبده قانون الخطيئة للحم كي يولد الانسان الجديد بمثابة روح وعفوا / ن . م / ص73  .

تتفتت التميزات القاتلة ، والمضايقات والفضول الجنسي ، والاستنماء ، والجنسية المثلية والثنائية الجنسية ، المؤنث في الرجل والمذكر في المرأة ، والتأثيرات الجنسية المتعددة الاشكال التي توصف بانها " منحرفة " كل ذلك ما هو في نظر " غروديك " الا اعياد اناشيد الايروس ، فسيفساء رائعة لحركة الحياة التي لا تنضب .

   يتم التعبير عن الجسد بتوظيف غنائي محمول بحيوية الرغبة ، هذه القوة الاصلية " الرغبة " وهذا الوجود الاول كل شيء يوجد داخلها ، طاهراً ، كان ام نجساً وهاتان العلامتان لا تروجان الا داخل المجتمع ، والرغبة لم تدخل اليه ، لكنني كما يترأى لي سلفاً وجه العالم في الكرة المعدنية تمنح الجسد طاقة لليدين التي تدعو للأخر وتعطيه باللمس . نشوة الايدي القوية التي تكسرها للكل غم هو الحب . الحب هو محور الحياة . شعر كامل بالامتنان من صديقه لأنه ترفق به . اخبره بارتياح على الرغم من الارتجافات التي يستثيرها البرد والوحشة .

مفردة الارتجافات مثيرة للتأمل ومحفزة للتأويل وهي لا تختلف كثيراً عن توتراتها المماثلة لما في " نحن المرهفون " .

انتهى رايش الى تعليق اهمية جوهرية لوظيفة الدورة الجنسية المتضمنة عن طريق انقبضات الارادية ممتعة الجسد . يتصور رامشي الرغبة بمصطلحات طافية اساساً . انها حالة توتر وشحن متزايد تستدعي بإلحاح تفجيراً اي تفريغاً واسترخاء ، ويمكن رد الايقاع الجنسي ذي الازمنة الاربعة الذي وصفه رايش في دراسته الاولى ، الشحن الطافي ، تفريغ طافي ، يمكن رده الى الايقاع البيولوجي للنبض .

تستعير طاقة الحي طرق النشاط الجنسي المفضلة والمشرفة . كما تجد تعابيرها الخلابة والاشد اثارة في الاشكال العضوية دون ان تنحصر فيها . يقول رايش : يجب مشاهدتها وهي تشغل في الكون برمته .

كتب الفيلسوف دولوز ان رايش قد جعل نشيد الحياة يعبر الى التحليل النفسي : جميع الات الجسد / الفرد واشيائه الجنسية ، ودسائس الجسد الاجتماعي ، والتسلط والمؤسسات على حد سواء : ما من شيء الا ويدور حول الآلات الراغبة ، وحول انتاج الرغبة . فالآلات الراغبة تزمجر في عمق الشعور / كانط .

لعبت النسوية دوراً بارزاً منذ الخمسينات وحتى الان ما استطاعت عليه لدعم العلاقة المثلية في بلدان العالم ، لان الذكورية هي التي اخضعت المرأة باعتبارها ضلعاً اعوج . ازاحة الانثى والتسلط عليها ، ساعدها هذا الدور بنشر ثقافة الصداقات المثلية . نجح الفحل بالانتصار على الانثى ولذا تحمست عبر حضوراتها والسيرورة ان تدفع لدعم واسع لتشريع يحمي الذكريات الصداقية .  

 

20-05-2023, 16:26
عودة