الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

فنون: جاسم العايف .. المسرح العربي والتأصيل
 

 
 

    يقود البحث اللغوي في كلمة " اصل " إلى دلالتين متضادتين ، أولاهما  "ثبت " والثانية " اقتلع " ولغرض الدراسة يقصي الباحث(1) الدلالة الثانية ، ويعمل على الأولى ، ويأخذ من " استأصل " معنى البحث عن الأصل والكشف عما هو غامض منه ، وليس الثانية والتي تعني في ما تعنيه الاقتلاع والإزالة من الوجود وذلك ليس تحكماً في الدلالة ، وإنما تأكيد الاعتراف الضمني بالمعنى المتداول في حقل الدلالات اللغوية ، لذلك فان الأصالة لا تعني مخالفة الزمن وإقصاء التطور ، ولا مجافاة التجريب(ص 10 )، بل يمكن الاستفادة من ذلك في إطار الإنماء وليس التغريب على وفق ما هو معروف لان التجريب يتولد في الفنون فكرة وممارسة علمية- عملية واعية أو إبداعية لاواعية في فترات التحولات الحضارية المهمة الكبرى التي تواجهها المجتمعات الانسانية والتي غالباً ما ترتبط محاولات التجريب في الفنون فيها بمحاولة تغيير صورة العالم المتهرئة والموروثة تحت وطأة الأكتشافات العلمية وما يرافقها ، أو ينبثق عنها من مكونات معرفية وتطورات حضارية و فكرية- نهضوية.

منذ الخمسينيات وحتى السبعينيات من القرن المنصرم ، يمكن رصد مرحلتين في حركة المسرح العربي وأفقها، الأولى الثورة على القديم والتخلف والتوجه نحو مكونات وعلوم المسرح الحديثة والتجارب العالمية ومحاكاتها ، فتم الاهتمام الفائق بتجربة " بريخت " ونظرية المسرح الملحمي بالذات من جهة والتجربة العبثية ومسرح اللامعقول من جهة أخرى والمرحلة التجريبية الثانية مرحلة البحث عن الهوية وتم فيها التوجه نحو التنظير المسرحي والتنقيب بحثاً عن هوية مسرحية عربية خاصة، نلاحظ هنا جهود" يوسف ادريس" في أشكال الفرجة والسامر ، و"توفيق الحكيم" في دعوته لمسرح عربي له خصوصيته المحلية من خلال التوجه نحو التراث العربي والشعبي ، والدكتور"علي الراعي" في كتابه  "الكوميديا المرتجلة" ودعوة" سعد الله ونوس" في ( بيانات لمسرح عربي جديد ) وجماعة المسرح الأحتفالي في المغرب والمسرح الحكواتي في لبنان وجماعة فوانيس في الأردن ومسرح السرادق في مصر . ولقد فجرت فكرة البحث عن الهوية جدلية الأصالة والمعاصرة في المسرح العربي بجانبيها الفني والفكري ، حيث قام بعض الباحثين في التوجه نحو الاهتمام بذلك لمحاولة " أكتشاف ظواهر وملامح مسرحية في الحياة العربية قديماً " و قاموا في التطلع إلى  ما وراء النصوص المكتوبة بقصد أن تكون ابداعاً فنياً مثل المقامات والحكايات الشعبية وحتى الجوانب الطقوسية الاجتماعية والدينية  في الحياة العربية قبل الأسلام وبعده ، وفي هذا المنحى تأتي دراسة "علي عقلة عرسان" إذ اعتبر طواف الجاهليين بالكعبة ، عرايا رجالاً ونساء - حسب المصادر التاريخية - متشابكي الأيدي يصفرون ويصفقون ويرقصون مظهراً"طقسياً احتفالياً دينياً " يوائم بين الشكل الجماهيري-الشعبي والحركي والأحساس المقدس وكذلك أسواق العرب حيث تجمعاتهم التي تلقى فيها الأشعار وتتداخل التعقيبات والحوارات ، وحتى ظهور القصاص  وممارستهم  للقص  في المساجد وخارجها ، والتي تتوفر فيها "القدرة الحركية ، والجهارة الصوتية ، وتلون الأداء ، وتجسيم الأنفعالات "وذهب ايضا إلى اعتبار المقامات من الظواهر المسرحية واضاف إلى ذلك النص المنسوب" لأبن عباس"و المعروف بـ "الأسراء والمعراج" ورأى فيه بعض مقومات النص المسرحي وكذلك دعوة الدكتور" كمال عيد" (2 ) في تصحيح تأريخ المسرح العالمي في كون البدايات التاريخية للمسرح ليست في بلاد اليونان وانما في بلاد وادي الرافدين ووادي النيل ومحاولته في البحث عن ملامح مسرحية في التاريخ والتراث العربيين ، وقد رأى بعض الباحثين العرب بخصوص وجود بذور أو جذور للمسرح في التراث والتاريخ العربيين إنما هو"رغبات مخلصة ، في ان يكون لنا في فن المسرح ، جذور وتاريخ مبعثهما الحماسة القومية ، والغيرة الثقافية فقط"؛ وقد تناول الدكتور  (محمد حسين الاعرجي) هذا الموضوع في كتابه(فن التمثيل عند العرب) الصادر عن وزارة الثقافة- بغداد- عام   1978، واعادت "دار المدى" عام 2005 طبعه ضمن سلسلة "الكتاب للجميع"الشهرية التي  توزع شهريا ،مجانا، مع جريدتي "المدى والاتحاد" وقد بحث د.الاعرجي "الحكاية والكرج من العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الاموي" و"الحكاية في العصر العباسي" و"الحكاية في مجالس الخلفاء والاكابر"و"كتابة الحكاية في القرن الرابع" ويدرس د.الاعرجي في بحثه الحكاية وما يرافقها من تشخيصات و بحث في مسار الحكاية بمقدار ما يتشبث به بعض مؤرخي تاريخ الفن في العالم الاوربي ودعا الى الاهتمام بذلك في السعي لتأرخة المسرح كوجه من وجوه الحضارة العربية- الاسلامية ؛ والملاحظ خلو دراسة(د.خالد عبد اللطيف رمضان) من الاشارة لهذا البحث على اهميته في البحث التاريخي عن العلامات المسرحية في الحياة والثقافة العربييتين مع ان كتاب د. الاعرجي هذا كما يذكر في مقدمته لطبعة دار( المدى) قد اعيد نشره مصورا ودون علمه لمرتين، الاولى في بيروت سنة 1985 من قبل"المركز العربي للثقافة والفنون"والثانية- بعد ذلك التاريخ - من قبل "دار عصمي للنشر" في القاهرة.  
يتم تحديد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي كتاريخ للمسرح العربي بشكله الحالي ، وهو صورة عن الأصل الأوربي للمسرح وبواسطة الرواد "مارون النقاش" في بيروت ، و"ابو خليل القباني" في دمشق ، و"يعقوب صنوع" في مصر، ويورد الدكتور (خالد عبد اللطيف رمضان) نصاً عن  "الجبرتي" في تاريخه حول حوادث شهر شعبان عام 1215هجري ، وبما يوافق شهر ديسمبر عام 1800 ميلادي حيث وصف " الجبرتي "عرضاً مسرحياً فرنسياً في منطقة الأزبكية بالقاهرة وهي أول إشارة لمسرح ( غربي – فرنسي) ، يعمل في القاهرة (ص25).
في الفصل الثاني المعني بالبناء الفني يرى د. (خالد عبد اللطيف رمضان) أن قواعد بناء المسرحية ، التي وضعها " ارسطو"اعتمدت الوقائع والأحداث الجزئية والأفعال و" الحدث" والفعل الدرامي  جوهر البناء المسرحي ، وأن ثمة فرقاً بين الفعل والحركة من جهة النمو والتطور ، والصراع جوهر الفعل المسرحي ، وهو يدور في الغالب بين قوتين متعارضتين وقد يكون داخلياً ، وخارجياً ، وخلال مجرى الحياة الإنسانية  حدث تطور في طبيعة الصراع ، فبعد ان كان لدى اليونانيين – مسرحياً – بين الإنسان والقدر الإلهي ، أصبح بين الفرد والمجتمع في العصر الرأسمالي ، وبظهور التيارات الفكرية والفنية الحديثة ، برز الصراع بين الإنسان وذاته ، اما في المسرح الملحمي ، فأنه بين قوى اجتماعية قاهرة وأخرى مقهورة وأصبح – الأخير – يحارب الإيهام بواقع مصطنع ويتجه إلى خلق وعي حقيقي بالعالم قابل للتغيير (ص75) ، وأن المسرح العربي واكب متغيرات عاصفة، سياسية واجتماعية وفكرية واقتصادية، وبالتالي فأن المسرح أو بالأدق الصراع في المسرح كان انعكاساً للواقع ومعبراً عن  العلاقات بين القوى السياسية والاجتماعية ، بين قوى اجتماعية قاهرة وأخرى مقهورة كما في مسرحية " الفرافير"ليوسف إدريس و"علي جناح التبريزي وتابعه قفه"لألفريد فرج ومسرحيات أخرى مثل" حفلة على الخازوق"و" الملك هو الملك" و" مأساة الحلاج"وغيرها ، ويبقى الصراع بين القوى القاهرة والقوى المقهورة أكثر أنواع الصراع انتشاراً في المسرحية العربية (ص119) ، لأنه تعبيرعن المتغيرات ، في ظل واقع انتهاك الحقوق والكرامة الإنسانية ، وغياب الحرية ، وديمومة الاستبداد والتعسف والإلغاء والتهميش واندثار الحياة والقيم الإنسانية في أدنى أنواعها.
في ( مبحث اللغة الدرامية ) يرى (د.خالد عبد اللطيف رمضان) أن المسرحية تتميز عن غيرها من الأنواع الأدبية بعنصر الحوار ، ومع أن المسرحية تشترك مع القصة في بنائها على الحدث والشخصية والحوار إلا أن المسرحية تتميز في طريقة استخدام الحوار بصيغة أساسية  لأن الحوار هو وسيلة التفاعل بين الشخصيات والأحداث و الأداة التي تتواصل عن طريقها شخصيات المسرحية وتقوم مقام المؤلف في الرواية في سرد الأحداث وتحليل المواقف ، والكشف عن نوازع الشخصيات. وعن الحوار بين الفصحى والعامية يرى أن العامية ربما تكون أطوع في يد الكاتب إذا تناول قضايا اجتماعية وقدم شخصيات من الحياة اليومية بينما اللغة العربية الفصحى بغناها وخصوبتها وشاعريتها أقدر على النهوض عند تناول القضايا الإنسانية والتاريخية والسياسية (ص140) وفي تناوله لملامح الشخصية المسرحية العربية لاحظ أن هذه الشخصية المحورية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية قد انحسرت ، والشخصيات الأخرى هُمشت ، وتراجعت شخصية البطل أمام زحف الكتلة التاريخية في صراعها مع قوى القهر الاجتماعي وأصبح الصراع يدور بين  "طبقات اجتماعية"خاصة في الستينيات من القرن العشرين ، بسبب قوة الفكر الاشتراكي واجتياحه بعض المواقع القديمة ومحاولته إزاحة الكثير من الثوابت والتابوات المتدنية حيث كان له التأثير الواضح في الساحة الثقافية العربية ، وبعد تحليل ومتابعة متأنية لبعض النصوص والشخصيات المسرحية ، يرى أن ثمة صعوبة في"  أن تكون الشخصية المسرحية متفردة تماماً في ملامحها وأبعادها الفردية"  لكونها تحمل انتمائها إلى طبقة أو فئة اجتماعية ، وكذلك لا يمكن أن تكون الشخصية المسرحية نمطاً خالصاً بدون ملامح ومعطيات وتشكلات فردية لأنها ستغدو شخصية مسطحة وميتة مسرحياً وبالتالي فأن ما هو شائع الآن هو المزاوجة بين النمط" العام" والملامح"الفردية والشخصية"سواء استلهم المؤلف المسرحي الشخصية  المسرحية من الواقع المعيش أو من التاريخ أو التراث (ص210) .
في الخاتمة يوضح الدكتور (خالد عبد اللطيف رمضان) أن هذه الدراسة تتطلع إلى مسرح القرن الحادي والعشرين وأن المسرح في العالم العربي لا يعاني من مسألة الهوية حالياً  ، حيث تم حسم هذه الموضوعة ، والأزمة تعود إلى  أساليب التأليف والموضوعات المسرحية وكذلك التقنيات المسرحية  وان كل الحواجز والحوائط قد سقطت والعزلة تتفكك وتنهار ليس بين المسرح والجمهور وحسب بل بين المسرح ووسائل العرض والفنون الأخرى لأننا  نعيش في عصر  تؤدي فيه وسائل الاتصال الحديثة دوراً مؤثراً جداً في الفن وفي الحياة الإنسانية العامة والخاصة ، وأن على المهتمين بالفن عموماً والمسرح خصوصاً إيجاد وتطبيق إشكال فنية مستحدثة تتعامل مع" المفهوم الأتصالي" الذي يميز عصرنا الراهن .
لقد لاحظنا انه ولاسباب لاعلاقة لها- قطعا- بتاريخية البحث في  تأصيل المسرح  عند العرب أن الدكتور "خالد عبد اللطيف رمضان" تجاهل المسرح العراقي وتأريخه كما أهمل حتى الأشارة الى المسرح في العراق وتاريخه و اعمال و تجارب المسرحيين العراقيين بكل اجيالهم المعروفة كذلك؛ واكتفى فقط بذكر بسيط للمخرج المسرحي العراقي " قاسم محمد" و بهامش صغير في ص( 15 )؛ ولربما يعود ذلك الى الزمن الذي كتبت به هذه الدراسة، والتي هي اطروحة دكتوراه ، حيث انها كتبت وانجزت بعد احداث التسعينيات العاصفة، ومن المؤكد ان ذلك اقصى عن الدراسة على اهميتها ؛  تجارب مسرحية عراقية-عربية مهمة جديرة بالدراسة والفحص والتقييم تنتمي الى المسرح العربي الذي هو موضوع الدراسة .
----------------------------
(1) (العرب وتأصيل المسرح ) الدكتور/ خالد عبد اللطيف رمضان/رابطة الأدباء / الكويت
( 2 )علم الجمال المسرحي/بغداد/دار الشؤون الثقافية العامة/(ص24)

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار فنون
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في فنون:
هيثم احمد زكي مفاجأة فيلم (حليم) في مهرجان كان