الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

فنون: جواد المنتفجي ... أسفار في أحلام والأمير
 

 
 

    بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل الأديب والفنان احمد الجاسم
( الأمير)  
(( المشاهير منبهرون بسموك زمن تألقك ، أما روعة طفولتك.. طفولتنا.. توحدنا .. إيقاعات أوجاعنا ..عوالم قائمة بذاتها تفوق الكلمات التي تسرب اليسير منها ليدفن معك ، أما رحيلك المفاجئ فقد أجفلني ..  وبك سأكتفي)) 


          - 1 -

" 31 / 12 / 1974 " في ليلة كهذه من كل عام ، كان (احمد) يستكين  لمنفاه في  حقول أحلام " أيمان " الغزيرة ، كان كاهنا يصلي بمحرابها خلسة .

          - 2 -

تك – أنا أنت 
تك – شمسي أنت
تك – أرضي أنت
تك – أدور أنا
تك – لنحيا أنا وأنت  
كان هذا لحنا قد اختزنته تقاو يم ذاكرتي وجدته يدندن به حينما زرته في آخر مرة ، كان منهمكا جدا وهو يضع لمساته الأخيرة على لوحة ملقاة أمامه ، أشار أليّ بوجود رسالة تقعي على منضدته الزمني بقراءتها ، وهي من صديق لـه في ( البصرة ) ينبئه فيها بوجود وظيفة مصمم في التلفزيون، والتي آلمتني أخبارها بسبب عزمه أخيرا على السفر كما خطط لـه والذي بات وشيكا على تنفيذه ، قلت بعد انتهائي من مطالعتها وأنا أناوله رسالة كنت احملها...
- لك وصية معي في هذا المظروف !!
وبشغف عارم نفض يديه من مساحيق أصباغ كان يود مزجها وعندما فتح المظروف ، بانت بطاقة ميلاد طفق بقراءة سطورها المدونة خلفها بسرعة... 
- صديقي الحميم ..
يبدو انك قد أتقنت الابتعاد جيدا ، ألا أنني وجدت نفسي قد فقدت بعض خصوبتها ، فمنذ أن تركتني لأعاني وحيدة ، شعرت وكأنني متدلية في وحدتي إلى الأسفل ، وبصورتي المعهودة المقلوبة فوق تلك القاحلة التي جفت ينابيعها واستحوذ السبخ عليها الذي اعتلى هامتي ليسرق مني كل أمنياتي ، ولهذا فقد هجرتني الطيور هذا العام ، وبرفقتها عصفورتيّ عينيّ التي غيرة هي الأخرى من مسارها المعتاد في اتجاه أديم ربوعك لتغنم من ينابيع راحتيك المنداة ، علما بأنني حملتها وصية لك (( لقد خلفت أمنية بين عينيك فإذا أتخمت أنت بكل هذا البعد وأمسيت أنا متيمة بك كيف سأفطمها ؟ )) ، وبحضورك الليلة قبل الساعة الثانية عشرة ، سيزدهي عيد ميلادي ، وستستحم ضفائري ببخار أنفاسك كما فعلنا ذلك في العام الماضي ..  أحبك .
المخلصة  " أيمان "        
                          
            - 3 -

وصل قاعة الحفل ، وبصعوبة بالغة اخترق الكتل البشرية التي تراصت على الجانبين ليذوي مختفيا بمكامنه اسفل عتبة الدرج ، وبدا يستحضر ما سيهمس لها ، لحظة ائذ طفقت الساعة الجدارية تخرّ بوقع مخالبها الزئبقية ، ناشبة جلدة محطاتها الأخيرة ، وبحركة دائبة تهافت الحضور، وراحت وقع أقدامهم تتزايد في فجوة البهو الفسيح ، إذ ذاك تعالت الهمهمات ، وسرت توخز كلماتهم في صمّ  أذنيه ، ومن غيرته عليها أحس باختناق شديد إضافة إلى استنشاقه كميات هائلة من دخان السجائر ، والبخور ، ومختلف أنواع العطور حتى امتلأت رئتاه المنخورتان بهواء فاسد . ولما شعر بشيء من الغثيان حاول تغيير مكانه ، وبمجازفة لا إرادية انداح خفية ألي حديقة الدار الخارجية مستغلا تلصص عيون الآخرين وتسّمرها بالفضاءات التي استجلبتها بزوغ " أيمان " من إشراقها في تباريح مداراتها ، وقتئذ سكن كل شيء وتحول إلى ذهول عارم عندما بانت من شرفة السطح بفضفضتها الرقراقة والمشعة بلون الطيف المتلألئ بكثافة في الأعالي ، في البدء راوحت في مكانها وهي توزع مودتها بحياء بين المهنئين ، بينما كانت نظراتها الطافحة .. الهائمة .. المرتابة تهيم في تيه الأماكن والزوايا المديدة باحثة عنه ، وحينما تجّلت صورته من خلف ثلم الجموع المترادمة ، خرت هالات الفرح من مساحات وجنتيها المغموستين بالقرنفل ، وبمناورة منها ، مخرت عباب ثلة الحضور ململمة نفسها ، مستبسلة بإيجاد موطئ قدم لها في محراب الشرفة الخارجية المطلة على الحديقة حيث كان ينتظرها هناك .  

               -4-

وبلا إرادة منها دست كفيها براحتيه المحمومتين ، رامية مرساتيّ ساعديها بين موانئ صدره الفسيح لتستريح من عناء وصولها أليه ، مانحة نفسها وقتا مستقطعا لتهنأ بأحضانه بضع دقائق، وبهمس قالت له وهي ترفع رأسه نحو الأعلى ...
- حاول أن تختزل  وقتك بالحفل وغادرنا بسلام كي لا تفوتك فرصة العمل الجديدة !!
رفع رأسه مندهشا بالمفاجئة التي كان يود أن يزفها هو أولا أليها مستعلما منها كف عرفت بهذا السر ، ولكنها خذلته كعادتها ، فهي سريعة بقراءة نباتات أفكاره ، غمست أناملها المتضوعة بعطر القداح بين شفتيه ، ماحية كل ما أراد نطقه ، وباغتته بنبرات هادئة …
- سأغادر أفيون قلقي المدمر بسبب أدماني عليك ، وها انذا ملتصقة بك أداوي تقرحاتي المغروسة منذ الطفولة معك ، علما أنني لم أمس منك شيئا لحد ألان ، فكيف في بعدك ستكون جراحاتي ؟
اقتربت منه أكثر حتى لم يعد ثمة ما يفصلهما سوى نثيث شفق أهمي من ضوء سقط من خلف زجاج النافذة ، وعلى جلجلة الساعة بإيقاعاتها الرتيبة وهي تحتد منصهرة بفوران ثوانيها الأخيرة ، وبلفح من أنفاسهما الحارة ، راحا يتهجيا كل منهما كلماته اللائبة متمليا في عين صاحبه...
دن .. دن ..
- خطوتي تتجذر خطواتك .
دن .. دن ..
-لا أدري ألي أين؟
دن .. دن ..
-عصفورة تجلب الحب ، والحّب من أرض النهرين .
دن .. دن ..
-مادام فلاحي أميرا  من (أور)  
دن .. دن ..
- فلنحرث الأرض نحن الاثنين .
دن ..
- ولنسقيها أغوار الشفتين .. دن ..
وأطفأت الأضواء ( ؟ ) .

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار فنون
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في فنون:
هيثم احمد زكي مفاجأة فيلم (حليم) في مهرجان كان