الشاعر والمترجم بدل رفو سفير الثقافة الكوردية بالمغرب

 


 


حسام السراي ... تطواف مكتوب مع الجواهري

 


 


الباحث والمحقق عبد الحميد الرشودي .. حكاية الحياة والادب والصداقة مع الرصافي

 


 


زهيـر بهـنام بردى.. قطرة اخرى من دمع الشمس

 


 
















 


 
 

 

فنون: كريم ناصر... الأغنية العراقية: نجاحها وإخفاقاتها
 

 
 


من الخطأ الجسيم وصم الأغنية العراقية بالتخلّف، فليس من العدل الحكم جزافاً على تاريخ فني طويل بعدد من الكلمات، ولا يمكن بطبيعة الحال أن ننكر ما حقّقته أغنيتنا على مستوى التلقّي منذ تبلورها على يد فنانين مهَرَة، وإذا ما درسنا تاريخها في العقود الثلاثة الأخيرة، لتوصّلنا إلى نتيجة منطقية تضع الأغنية العراقية في أعلى المستويات، ما عدا الأغاني التي تحاول العودة إلى الماضي بواسطة لغة الشارع المبتذلة بصفتها نسخة طبق الأصل من ثقافة القطيع.

ولقد لاحظنا ذلك أيام الحقبة الفاشية، حينما كان الصبيّ (عدي) مهيمناً على الكثير من المرافق في العراق، وعلى الأخص قسم الإنتاج والموسيقى في الإذاعة والتلفزيون..
حيث كانت الأغنية في تلك الحقبة بائسة شكلاً ومحتوىً، وأداءً، وذلك بسبب تدخلات المؤسسة السلطوية في الحياة الفنية العامة، مما أنتجت بنية هشّة غير قابلة للتطوّر وغير مستساغة على صعيد التلقّي فنياً واجتماعياً..
ونحن نعرف أنّ الفن السلطوي لا يحمل دائماً الصورة الحقيقية والمعلمية للواقع، كونه أداة هدم قبل أن يكون أداة بناء، ومثل هذا الفن لا يُمثّل إلاّ نفسه بصفته شكلاً انحرافياً مشوّهاً يعكس إسقاطاته على واقع الحال بصورة رديئة.
ولكن ذلك أيضاً ليس معياراً لمقاربتنا هذه، إذا ما قلنا إنَّه بين الحين والحين تظهر أغنية جادّة تحمل سمات الفن الجاد مثل: (أغنية الناقة، إتعودت عيني عليك) لمحمود أنور،
و (آنه وين وانته وين) لكريم حسين، (مرة ومرة) لرياض أحمد، (لعيونك أنت ياحلو) لسعدون جابر، أنا وليلى، قولي أحبّك، استعجلت الرحيل، زيديني عشقاً) لكاظم الساهر، وغيرها من الأغاني الإبداعية، فضلاً عن الأغاني التي أُنتجت خارج العراق مثل (خطار) لإلهام المدفعي. و أخيراً (يا أهلنه بالعراق) من أداء سرور ماجد وفريدة ومحمد حسين كمر. 
إننا لو أحصينا عدد الأغاني الجادّة في حقبة السبعينات، لوجدنا أنّ النسبة الأكبر منها استطاعت على نحو مدهش أن تحقّق نجاحاً منقطع النظير على صعيد التلقّي.
ونستطيع القول أيضاً إنّ مصدر نجاح أغنية السبعينات تعود مرجعيته غالباً إلى قوّة بنية النص الشعري في المقام الأول، المتمثلة في تراكيب الجمل الشعرية الإبداعية التي نعتبرها من وجهة نظرنا أساساً متيناً للبناء المعماريّ للنموذج الفني، وإلاّ فما نفع إنتاج عمل غنائي كبير وبلحن كبير وأداء جيد من دون الاعتماد على كلمات عميقة المعنى وذات دلالة.
إنَّ خلاصة نهائية لهيكلية الأغنية السبعينية تقودنا إلى فهم واحد وليس غيره، كما أنّ الوعي المعتمد في تلك الحقبة بالذات، كان يؤسّس لنمط فنيّ مغاير وتجديدي لمنح الأغنية شكلها الحضاري المتطوّر، كما لاحظنا ذلك في الأغاني التي أدّاها فنانون مبدعون.
لا شك في أنّ أغاني مثل: (يا حريمه، حبيبي انساني وآنه انساك، غريبة الروح، والبنفسج، روحي، والريل وحمد، واشموع الخضر، وأوفي عهدك، ما عاشرتهم، سومري، وما جنك هذاك انته، واتلولحي، وأثر فرحة، والطيور الطايره، وهله يابه، وساعي البريد، عد وآنه أعد، والكريستال، واعدتني، ويكَولون غنّي ابفرح، مشتاكَـ اجيتك، عشكَـ  أخضر، ليلة ويوم، وياعشكَنه، تعالي، انتظرتك، يحاجي الناس كلها وما يحاجيني) هي ثمرة التقنية الشعرية قبل أن تكون ثمرة المجهودات اللحنية.
وعلى رغم من تسلّط الأغنية التعبوية على الواقع الفني في الحقبة الفاشية، والتشويه الذي اعتورها، غير أنّ هذا أيضاً ليس معياراً ثابتاً لقراءة الأغنية كتحصيل حاصل، كما أسلفنا قبل قليل.
والحقيقة على الملحن الجاد البحث قبل كلّ شيء عن النص الشعريّ المكتمل البناء معمارياً، والابتعاد قدر الإمكان عن الأسماء الكبيرة المخضرمة، لأنّ فكرة كهذه من شأنها أن تؤدي إلى تكريس أغنية أحادية الجانب والمعالجة الفكرية، في حين يتطلّب غالباً ضخّها بدماء جديدة وآفاق توحي بالحيوية والتنوّع.
لذلك فليس كلّ ملحن قادراً على إنجاز عمل موسيقي كبير، أو تلحين (قصيدة) إذا لم يكن هذا الأخير مثقفاً موسيقياً، لكي يرقى إلى مستوى الشعر وتأويلاته.
نحن نعرف أنَّ تلحين قصيدة باللغة الفصحى أو العامية يتطلّب وعياً عالياً، ولغة موسيقية متكاملة الملامح، إضافة إلى خيال واسع ينقل الموسيقي إلى أجواء (الشعر موسيقية) والفنتازيا والتغريب.
كما أنَّ اللحن الكبير يستدعي في أغلب الأحيان جهداً بمستوى النص الغنائي المعتمد أصلاً على رؤى شعرية متضمّنة، لا تخضع لمعايير ساذجة، وبنية سرديّة مملّة.
إنَّ أفضل ملحنينا أولئك الذين أنتجوا الأغاني الكبرى ذات الطابع الطولاني ـ القصيدة أُنموذجاً أمثال: طالب القرغولي، ومحمد جواد أموري، وياسين الراوي، وكوكب حمزة، وكاظم الساهر.
فما زالت الذاكرة العراقية تحتفظ بكم هائل من الأغاني المسمّاة القصيدة الغنائية، مثل: ياحسافه، ودوريتك، والطيور الطايره، ومسافرين، وحاسبينك الخ..
ولكن مع ذلك لا يمكن تلحين هذا النمط من الأغاني، دونما وعي مسبق باللغة واللهجة وطريقة اللفظ للكلمة، فإنه من الخطأ الكبير تلحين القصيدة الشعرية ذات الطابع الطولاني، ما لم تتضمّن مقومات الأغنية العصرية مثل: سلامة اللغة، ووضوح المعنى المتضمّن، وليس المعنى المسطّح، من باب أن ليس كلّ قصيدة قابلة للتلحين وتنسجم مع إيقاعاته الفنية. 
ومن جانب آخر لا تصلح القصيدة الشعرية غالباً للتلحين، إلاّ إذا احتوت ضمناً على مضامين عاطفية، أو سياسية، أو وطنية قريبة من نبض الشارع ومشاعر المتلقين تُصوّر الحبيب أو البطل الأيديولوجي المناضل في إطار ملحمي وسياق سلس، انطلاقاً من تعابير ذات إيقاعات موسيقية قوية.
karimnasser815@hotmail.com
www.karim-nasser.com        

 

 

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

 


  · البحث في اخبار فنون
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في فنون:
هيثم احمد زكي مفاجأة فيلم (حليم) في مهرجان كان